محمد الغزالي

40

فقه السيرة ( الغزالي )

وعن ابن سيرين قال : إنما ضلّ بنو إسرائيل بكتب ورثوها عن ابائهم . ودخل علقمة والأسود على عبد اللّه بن مسعود ، ومعهما صحيفة فيها حديث حسن ، فقال عبد اللّه بن مسعود : يا جارية هاتي بطشت واسكبي فيه ماء ، فجعل يمحوها بيده ويقول : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ يوسف : 3 ] . فقالا له : انظر فيها حديثا عجيبا ، فجعل يمحوها ويقول : إن هذه القلوب أوعية ، فاشغلوها بالقران ولا تشغلوها بغيره - كانت الصحيفة تضم طرفا من علوم أهل الكتاب - . وعن عامر الشعبي « 1 » عن قرظة بن كعب « 2 » قال : خرجنا نريد العراق ، فمشى معنا عمر إلى ( صرار ) ، ثم قال : أتدرون لم مشيت معكم ؟ قالوا : نعم ، نحن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مشيت معنا تريد أن تشيّعنا وتكرمنا . فقال : إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقران كدويّ النحل ، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم ، جوّدوا القران ، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، امضوا وأنا شريككم . فلما قدم ( قرظة ) قالوا : حدثنا ، قال : نهانا عمر بن الخطاب . وعمر وعلي وغيرهما من الأئمة لا يجحدون السنة ، ولكنهم يريدون إعطاء القران حظّه الأوفر من الحفاوة والإقبال . وذلك هو الترتيب الطبيعي فلا بد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه ، إذ إن هذه التفاصيل والشروح لا يحتاج إليها كل أحد ، وربما شحنت الأذهان فلم تترك بها فراغا للأصول اللازمة والقواعد الهامة . وخصوصا لأن الطريقة التي تروى بها الأحاديث تجمع في صعيد واحد ما صدر عن الرسول عليه الصلاة والسلام متناثرا في أمكنة شتى ، وأزمنة شتى ، وملابسات شتى . عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، قالت : ألا يعجبك أبو هريرة ؟ ! جاء يجلس إلى جانب حجرتي يحدّث عن رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ، يسمعني وكنت أسبح ، فقام قبل أن أقضي سبحتي - أنهي صلاتي - ولو أدركته لرددت

--> ( 1 ) هو عامر بن شراحيل ، أبو عمرو ، أحد أعلام التابعين ، أدرك خمسمئة من الصحابة ، توفي سنة ثلاثمئة . انظر : الكاشف : 1 / 522 . ( ن ) . ( 2 ) هو قرظة بن كعب الأنصاري رضي اللّه عنه ، صحابي ، ولي الكوفة لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . انظر : الكاشف : 2 / 136 . ( ن ) .